ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري

243

تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )

وقال بعض الحكماء إذا أردت أن يكون العقل غالبا للهوى فلا تعمل بقضاء الشهوة وقال لقمان إن المؤمن أبصر العاقبة فأمن الندامة وروى شداد بن أوس عنه صلّى الله عليه وآله وسلّم أنه قال الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والأحمق من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله دان نفسه أي حاسب نفسه ويوم الدين هو يوم الحساب وقوله تعالى أَإِنَّا لَمَدِينُونَ أي لمحاسبون . وقال بعضهم حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توازنوا وتأهبوا ( 1 ) للعرض الأكبر وقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم دان نفسه وعمل لما بعد الموت معناه وزن الأمور أولا وقدرها ونظر فيها وتدبرها ثم أقدم عليها فباشرها . سئل جبرئيل عليه السّلام عن الأحساب ( 2 ) فقال : إن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك وقال تعالى ألَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى وقوله تعالى إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً . وقال بعضهم إذا جلست تعظ الناس فكن واعظا لنفسك وقلبك ولا يغرنك اجتماعهم عليك فإنهم يراقبون ظاهرك والله رقيب على باطنك . وحكي أنه كان بعض العلماء وكان له جماعة يترددون إليه ويديمون المجالسة معه للإفادة فكان يكرم من بينهم شابا ويقدمه عليهم فقال له بعض أصحابه كيف تكرم هذا وهو شاب ونحن شيوخ فدعا بعدة طيور وناول كل واحد منهم طائرا وسكينا وقال ليذبح كل واحد منكم طائره في موضع لا يراه أحد ودفع إلى الشاب مثل ذلك وقال له كما قال لهم فرجع كل واحد منهم بطائره مذبوحا ورجع الشاب وطائره في يده حي فقال ما لك لم تذبح كما ذبح أصحابك فقال لم أجد موضعا لا يراني فيه أحد إذ الله مطلع علي في كل مكان فاستحسنوا منه هذه المراقبة

--> ( 1 ) التأهب : التهيؤ والاستعداد . ( 2 ) في بعض النسخ [ الاحسان ] وهو متقارب من الاحسان فإنه ليس بمعنى المحاسبة بل معناه الاعطاء جزيلا كافيا يقال : أعطاه فأحسب أي أكثر وأجزل في عطائه بحيث يقول المعطى له : حسبي وكفي . فمعنى قوله ( ع ) الأحساب أن تعبد الله الخ إن ذلك هو العمل الجزيل الذي يكتفى به إذا أعطاه لنفسه بأن يكون عاملا به .